مجموعة مؤلفين
192
إرشاد ذوي العقول إلى براءة الصوفية من الاتحاد والحلول
ولولا أنه أراد بقوله : وإن كان عين العالم معدوما ، تقدم عدمه على وجود كما هو مذهب المتكلمين في أجزاء الزمان لما احتاج إلى إثبات القوة الصلاحية . ومن قوله : « فافهم إلى آخره » إشارة إلى ما تقدم من نفي الامتداد المتوهم . وقال في الباب السادس والعشرين « 1 » : فاعلم أن الأزل عبارة عن نفي الأولية عن اللّه تعالى من كونه إلها ، وإذا انتفت الأولية عنه سبحانه من كونه إلها ، فهو المسمى بكل اسم سمى به نفسه أزلا ، فهو العالم الحي ، المريد ، السميع ، البصير ، المتكلم ، الخالق ، القادر ، الباري ، المصور ، الملك ، لم يزل مسمى بهذه الأسماء وانتفت عنه أولية التقييد ، فسمع المسموع ، وأبصر المبصر إلى غير ذلك . وأعيان المسموعات والمبصرات معدومة غير موجودة ، وهو يراها أزلا كما يعلمها ويميزها ، ويفصلها أزلا ولا رتبة لها في النفسي الوجوب ، بل هي في رتبتها الإمكانية ، فالإمكانية لها أزلا لم يكن قط واجبة لنفسها ثم عادت ممكنة ، بل كما كان الوجوب الذاتي للّه أزلا كذلك الإمكان للعالم أزلا ، فاللّه في مرتبته بأسمائه الحسنى مسمى منعوتا موصوفا ، فعين أوليته عين آخريته ، وعين ظاهريته عين باطنيته ، لا يقال هو أول بنسبة كذا ولا آخر بنسبة كذا ، فإن الممكن مرتبط بواجب الوجود ارتباط افتقار إليه في وجوده ، فإن وجد لم يزل عن إمكانه ، وإن عدم أو بقي على عدم لم يزل عن إمكانه ، فكما لم يدخل على الممكن في وجوده وصف يزيله عن إمكانه ، كذلك لم يدخل على الخالق الواجب الوجود في إيجاده العالم وصفا يزيله عن وجوبه ، فلا يعقل الحق إلا هكذا ، ولا يعقل الممكن إلا هكذا ، فإن فهمت علمت معنى الحدوث ومعنى القدم ، انتهى .
--> ( 1 ) في ( 1 / 199 ) .